حكيم القضاء يكتب : مغرب مابعد دستور 2011 لايمكنه أن يعاقب على الكلمة كيفما كانت حدتها

 

حكيم وردي: باحت في القانون

لا تحتاج حرية التعبير المسؤولة لمن يضبط ممارستها بالقانون الجنائي في الواقع الواقعي كما في الواقع الافتراضي، فمغرب ما بعد دستور 2011 لا يمكنه أن يعاقب على الكلمة كيفما كانت حدتها بعقوبات جنحية تصل إلى 5 سنوات، بما سيشكل بدون شك نكوصا على التقاليد التي تم ترسيخها من طرف القائمين على وضع وتنفيذ السياسة الجنائية انسجاما مع أفق مشرع على الحرية أوكسجين الحياة في مغرب الحريات.

وينبغي أن نعلم أنه لطالما اشتكى المتخصصون من وجود تضخم تشريعي في القوانين التي تتضمن مقتضيات جنائية، إذ لا يخلو نص قانوني من مقتضيات زجرية تكون ضرورية في بعض الأحيان لفرض هيبة القانون على المخاطبين بنصوصه وتكون مدعاة للاضطراب لدى المكلفين بتكييف الوقائع في كثير من الأحايين، فعبارة ( بصرف النظر عن المقتضيات الجنائية الأشد ) لا تعكس إلا هروبا من واضع النص على النبش فيما سبق أن سنه من تنصيصات لفرملة وقائع قال كلمته فيها سلفا مما يضع الجهة المنوط بها قانونا سلطة إنزال القانون على الواقع في حرج من الترجيح بين فصول قديمة جديدة قابلة للتنزيل على ذات الحالة.

يتعلق الأمر إذن بحالة من التضخم الجنائي غير المقبول لتعارضه مع مبدأ الشرعية التي لا تفهم أكثر من نص وعقوبة واحدة للجريمة الواحدة.

وفي مجال الكلمة والصورة تم الحسم نظريا وعمليا مع اتجاهات تجعل المغرب مضرب فخر لمواطنيه. فالسب والقذف بكافة وسائله في العالم الواقعي أو الافتراضي بين المواطنين تحسم فيه المحكمة بادعاء مباشر من الضحية في حياد من النيابة العامة التي قد تتلقى شكايات وتحفظها لإمكانية التوجه رأسا للمحكمة سواء أتعلق الأمر بصحفي مهني أو مواطن عادي. ثم إن الاعتداء على الشرف والاعتبار الشخصي والوشاية الكاذبة مجرم على الأقل منذ سنة 1962 في مقتضيات الفصول 442 وما يليها من القانون الجنائي، أما الابتزاز فعقوبته مرصودة في الفصل 538 ق ج، بل حتى استغلال القاصرين في بت وتوزيع المحتويات الرقمية ذات الطبيعة الجنسية جرى تجريمها بموجب التعديلات والتتميمات التي أدخلت على الفصل 503 القانون الجنائي بالقانون رقم 24.03 المؤرخ في 11 نوفمبر 2003.

لقد انتهت الدول المفتوحة إلى الحسم بعدم إمكانية الملاحقة الجنائية للمنشورات الرقمية من طرف القائمين على تنفيذ القوانين؛
ليس لمساسها بحرية التعبير التي لا يمكن أن تبرر أي فعل جرمي؛
ولا للصعوبات التقنية وسياسات الحرص على الخصوصية وحماية بيانات المستخدمين التي يفرضها مزودو الخدمات وكبريات منصات التواصل الاجتماعي على النحو الذي يعيق الكشف عن هوية ناشر المحتوى الرقمي المجرم حتى يتسنى متابعته.

ولكن وأساسا لأنه ليس من مصلحة القانون الجنائي أن تتضخم أناه فيعتقد متوهما أن بإمكانه توفير السجن كجواب كسيح عن جميع الظواهر السيبرانية المشتبه في جرميتها، ليقف عاجزا وقت التنفيذ عن ضمان تطويقها مما يتسبب له في إهانة غير جديرة به كنص رادع للعوام والخواص.

فالإشكال في النهاية ليس توفير تشريعات زجرية بعقوبات مشددة لتطويق بعض الانزلاقات في البيئة الرقمية، ولكن العقبة هي تبرير الغاية واقعيا من وراء سنها لحيازة شرعية تمريرها في ظرفية استثنائية القلوب فيها مشرئبه للطيف عساه يلطف بنا في خفي خفيه الخفي من خفي خفيه الخفي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد