معايير جديدة تتشكل مع فيروس كورونا

علاش تيفي – عزالدين شملال

لا شك أننا في طَوْرِ تَشَكُّلِ مرحلةٍ جديدةٍ مختلفةٍ تماماً عن مرحلةِ ما قبل فيروس كورونا المُسْتَجِدِّ، مرحلةٌ ستشهد مراجعاتٍ كثيرةٍ على جميع المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ففيروس كوفيد 19 نجح وبشكل سريع في وضع حد للهيمنة الرأسمالية المتوحشة التي سمحت لنوعيةٍ معيّنَةٍ من الناس مِمَّنْ تَحَكّمُوا في المواردِ الطّبيعيّةِ والماليةِ فجعلوا من هذا الكون ضَيْعَةً يشتغل فيها جميع النّاسِ لِتَتَضَخَّمَ موارِدُهُم وتَتَكَدّسَ في البنوك والمؤسسات المالية، بينما السَّوَادُ الأعْظَمُ من النّاس يشكو الفقْر والحاجة والتهْمِيش، سواءٌ كانوا أفْراداً أو أُمَماً في دُوَل.

فالمُهْتَمُّون بالسياسة والاقتصاد وقِراءَةِ الأرْقَام وتَرْتيبِها مُجْمِعُونَ على أنّ هناك نُظُماً ومَنْظُومَاتٍ ومَعَاييرُ جديدةً تتشَكّل في مجالاتٍ عِدّة كالسياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، ستضع حدا لما كان سائدا قبل ظُهُورِ هذا الفيروس القاتل، وبالتالي سَنَشْهَدُ في الأيام المقبلة بعد رَحيلِ فيروس كورونا – إن شاء الله في القريب العاجل- علاقاتٍ مبْنِيّةٍ على قِيَمِ التَّآزُرِ والتَّآلُفِ والتَّعَاضُدِ والتَّسَامُحِ بين مُخْتلفِ مُكَوِّنَاتِ هذا العالم، لِتَفْرِضَ الأُمَمُ والشُّعُوبُ على دُوَلِهَا رَسْمَ سِياسَاتٍ تُعِيدُ الاعتبار للإنسان بِغَضِّ النَّظَرِ عن انْتِمَاءاتِه العَقَدِيَّةِ والعِرْقِيَّةِ والإيدْيُولُوجِيَّةِ، وتضع حدّاً لِتَوَحُّشِ اللِّيبرالية الغربية وهَيْمَنَةِ الشِّرْذِمَة المُتَحَكِّمَةِ في الموارد الطبيعية والمالية، التي كانت تَعْتَبِرُ الإنسان – أَيَّ إنْسَان – مُجَرَّدَ رقْمٍ في مِبْيَانِ معاملاتها التجارية وأرصدة حساباتها البنكية.

لقد نجح الحَجْرُ الصِّحِيُّ والعَزْلُ الاجْتِمَاعِيُّ، ليس في تَقْيِيدِ الفيروس ومحَاصَرَتِهِ فَحَسْبْ،  بل نجح أيضا في إعادة ترتيب الأمور، والاعتراف لقِطاعاتٍ كالصِّحَة والتعليم والأمْنِ – بكل ألوانه –  والنَّظَافَةِ، بأهميتها وريادتها وسُمُوِّ ما تقوم به من أجل البشرية جمعاء، لذا وجب إنْصَافُها وتصحيحُ وتوجيهُ ما كان يُصْرَفُ لقِطاعاتٍ لا تعود على المجتمع بأي فائدة، إلى هذه القطاعات التي أبانت على عُلُوِّ كَعْبِهَا وسُمُوِّ عَمَلِها ونُبْلِ رِسَالتِها في وقْتٍ فَرَّ فيه كُلُّ النّاسِ ولَزِمُوا بُيوتَهم، وخرجوا لوحدهم  لمُواجَهَةِ الخَطَرِ القاتِلِ، فكانوا بِحَقٍّ أبطالاً تُرْفَعُ لهم القُبَّعَاتُ ويُشَارُ لهم بالبَنَانِ في زمَنِ البَلاءِ والوَباءِ.

كَمَا أعَادَ هذا الحَجْرُ الصِّحِيُّ الدِّفْءَ لِلْعَلاقاتِ الأُسَرِيَّةِ، فأصبح الأبناءُ أكْثرَ الْتِصَاقاً بآبائهم وأمهاتهم، و أجدادهم و جداتهم، وإخوانهم وأخواتهم، وتَعَرَّفَ الجَميعُ على نَمَطِ التّفْكِيرِ وكَيْفِيّةِ التَّصَرُّفِ وأُسْلُوبِ النِّقَاشِ لَدَى أعْضَاءِ الأُسْرَةِ مِمَّا شَكَّلَ نوْعاً من التَّقَارُبِ في الفَهْمِ ووَحْدَةِ التَّصَوُّرِ، الذي افْتَقدُوهُ أَيَّامَ الانْفِرادِ والاعْتِزَالِ الذِّي فَرَضَتْهُ عليهم هَيْمَنَةُ التِّكْنُولُوجِيّة الحَدِيثَة والرَّقْمَنَةُ العَصْرِيَّة.

كما تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إلى أنَّ هذا الفيروس أَرْجَعَ الإِنْسَانَ إلى خالِقِهِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ انْتِمَاءَاتِهِ، فَالرَّئِيسُ الأَمْرِيكي ” ترامب ” نَزَلَ منْ أَعْلَى لِيبِرَالِيَّتِهِ يَتَوَسَّلُ الكَنِيسَةَ ويَتَوَسَّلُ ابْتِهَالاتِهَا أمَامَ العَلَن، كما أنّ أوروبا المادِّيَة اعْتَرَفَت بِنَفَاذِ حُلُولِ الأَرْضِ ولُزُومُ التَّوَجُّهِ إلى السَّمَاءِ طلباً لرَحْمَةِ الخَاِلِق البَارِئِ، أمَّا المسلمون من عَرَبٍ وعَجَمٍ فتَذَكَّرُوا أنَّ لَهُمْ رَبّاً يُتَضَرَّعُ إِلَيْه في البَلاءِ والابْتِلاءِ، فتَوجَّهُوا إليه اسْتِمْطَاراً لرَحْمتِهِ واسْتِنْزالاً لِعَطْفِهِ عَسى أنْ يَرْفعَ عنهم الوَبَاءَ، ويُعِيدَهُم إلى سَابِقِ عَهْدِهِم غيْرَ مُبَدِّلِينَ ولا مُغَيِّرِينَ، ولا فَاتِنينَ بِفَقْدِ عَزِيزٍ ولا مَفْتُونِين.

فَاللهَ نَسْألُ اللُّطْفَ فِيما جَرَتْ فيه المَقَادِير، فهُوَ القَادِرُ وَحْدَهُ على رَفْعِ الوَبَاءِ والبَلاءِ، وأنْ يَحْفَظَنَا في كُلِّ مَنْ نُحِبُّ آمييييين ..    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

….

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد