مسعودي يكتب : “كورونا” ولوعة فراق “الأحبة”

 

ذ.محمد مسعودي – نائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالبيضاء

خاطرة في حق ذكرى المشمولة برحمة الله الشريفة المسعودية جدتي الغالية.

منذ أن حلّت كورونا عالمنا بأمر ربّها، ونحن نطالع في الاخبار هنا وهناك حصيلة فتكها بالأرواح رجالا ونساء شبابا وشيوخا إلا ما شاء الله، حتى صارت الوفيات والمنايا شيئا مألوفا وأمرا واقعا، فهي لم تكد تستثن أحدا من ويلاتها وتداعياتها بغض النظر عن سبب الوفاة،
فلا يهمّ سواء كان الهالك بسببها أو بدونها، فالكلّ مكوي حتما بآثارها بدون استثناء، طالما انه لا بدّ من اتّباع نفس إجراءات الحيطة والحذر في الغسل واجراءات الدفن ومراسيم الجنازة وتقديم وتلقي العزاء، من تباعد اجتماعي باحترام مسافة الامان وتفادي ما اعتدناه من تصافح وعناق حارّ من الخلاّن والاحباب، يهوّن عليك بعضا من لوعة الفراق وشدّة الآلام،
فلن تجد صدرا حنونا ترتمي عليه من الأقرباء والمقرّبين بحثا عن رائحة فقيدك تتحرى منها بعض الذكريات، يكفيك فقط ان تذرف الدموع ان كنت محظوظا في صمت تحت قناعك الطبي الواقي، وان خانتك العبرات وانهطلت كسيل المطر وتبعتها حشرجات في الحلق والصوت، فأكيد أنّ قناعا واقيا واحدا لن يكفيك دون الحديث عن كمية المعقّم ومطهّر اليدين…

ووحده رنين الهاتف لا شك سيؤنس وحدتك ويخفّف قليلا من ألمك، وأنت تتلقّى التعازي هاتفيا ممّن يهمّهم أمرك وتقطّعت بهم سبل الحضور لمواساتك…

دعك من حشود الناس وجيوش السيارات والمركبات التي اعتدناها تنعي في الطرقات كلّ ميت في موكب رهيب رباني الى مثواه الأخير بالمقبرة، ستكون وحدك وفي أحسن الأحوال مع نفر قليل جدّا من شيعتك لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، سيشيّع الجنازة ويحضر الدفن مع احترام مسافة المتر او المترين طبعا، كلّ يرقب من مكانه وكأنهم أعجاز نخل خاوية من شدة الهول..

وإذا كنت محظوظا جدّا فستنال مع حفّار القبور بركة إنزال الميت الى قبره لتمسك بأحد طرفي الكفن وسط ركام الأحجار والأتربة، ولا تنتظر طبعا من أحد مساعدة فالكل معذور بسبب احتياطات كورونا…

وإذا نجحت في الرجوع الى البيت واقفا فعليك مواصلة الصمود حتى تتخطّى إجراءات ولوج المنزل من نصل للأحذية وتعقيم للملابس وتنظيف وتطهير وغيرها من الاحتياطات الروتينية الأخرى، ثم أمسك عليك نفسك من الحزن والشعور بالوحدة فلا معزّين سيأتون ولا عشاء عزاء سيقدّم،
انت ولوعة الفراق لوحدكما، مع ربّ كريم حليم ودود لطيف رؤوف رحيم، ناجه بدعواك، يسمع ويستجب برحمته دعاك..

وعليك بقراءة ما تسير من القرآن تطهّر بها هواك وتترحّم بها على من خطاك وغادرك من دار الفناء الى دار البقاء،
بعيدا عن أي تهويل او سوريالية، هكذا اذن هي بعض من مظاهر فراق الاحبة في زمن كورونا او هي أشد وابلغ عن التصوّر والتشخيص…قد تكون خطرت ببالي سابقا وانا أشاهد في بعض منصّات التواصل الاجتماعي بعضا ممن شيّعوا جثامين أقربائهم في هذه الظرفية الصعبة، لكن لم يخطر ببالي انني سأكون التالي في القائمة، قائمة كورونا التي أبت إلا أن تعكّر صفو جنازة جدّتي الغالية التي اختارها الله الى جانبه في يوم الاثنين 26 من شهر شعبان الفضيل على بعد أيام قليلة من حلول شهر رمضان الأبرك، نقية طاهرة دون مرض أو سقام مزمن سوى بعض من آلام الروماتيزم في المفاصل، بعدما بلغت من الكبر عتيّا..

الحاجة الشريفة المسعودية “الزهرة سعود” زوجة الفقيه المناضل وأحد مقاومي الاستعمار” الحاج عبد القادر المسعودي الادريسي بن بوشعيب” نائب مقدّم ضريح الولي الصالح العارف بالله سيدي مسعودي بن بوزيان بمديونة البيضاء بظهير شريف رقم 270 بتاريخ 23صفر الموافق ل14 دجنبر 1949 رحمه الله، من الشرفاء الادارسة من سلالة مولاي ادريس الأكبر الذين انعم عليهم وذريته “صاحب الجلالة المغفور له سيدنا محمد الخامس بن يوسف طيب الله ثراه” بظهير شريف في 6 رمضان المعظم عام 1854 هجرية الموافق ل 30 دجنبر 1935 اعتبرهم فيه بانهم من ضمائر أسلاف جلالته الكرام قدّس الله أرواحهم في دار السلام والتقدير وخصّهم بالاحترام والحمل على كاهل البر والاكرام والرعي الجميل المستدام.

عشت لوعة وشدّة الفراق بكل معانيها وأنا أتأمل في جدّتي الغالية التي ناهز عمرها قيد حياتها 93 سنة قرابة قرن من الزمان حسب التاريخ المصرح به رسميا، – وفي رواية لوالدي بانها من مواليد سنة 1917 -، وهي محرومة من ان يحضر جنازتها كثير من فلذات أكبادها أعمامي وعماتي وأولادهم وبناتهم وأخوها وعدد من أقاربها ومعارفها داخل وخارج ارض الوطن، بسبب حالة الطوارئ الصحية، وهي التي كانت تحرص أيما حرص على صلة رحم جميع أولادها وأولاد أولادها وأقربائها على كبر سنها وهشاشة عظامها وتقوّس ظهرها.

اتذكر في مرة عادتني فيها في منزلي بعد إصابتي بنزلة برد حادة-قبل زمن كورونا- فأشفقت لحالها وعاتبتها على تكلّفها مشقة الحضور، فأنكرت عليّ شفقتي بحكمة، قائلة :
“ميفوق معزة الولد غير معزة ولد الولد غدا سوف ترى وتدرك هذا المعنى”.

سبحان الله جدتي الغالية هكذا شاء العليّ القدير ان يرفع روحك الطاهرة اليه في زمن شدّة وابتلاء، وهذه من شيم الصالحين والصالحات، فهنيئا لك بعقبى الدار الآخرة تغمدك الله برحمته الواسعة وأسكنك فسيح جنانه رفقة الرسل والانبياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وألهمنا على فراقك الصبر والسلوان وألحقنا بك ان شاء الله مؤمنين موحدين ورحم الله جميع موتانا وموتى العالمين في زمن كورونا وانا لله وانا اليه راجعون.

شكرا لكل من واساني في مصابي الجلل سواء بالاتصال هاتفيا او بالكتابة، وقدّم جميع أشكال المساعدة في ظل هذه الظرفية الصعبة، لا احزنكم الله جميعا، ففي خضم هذه المحنة حمدت الله ان لي اخوانا واخوات ورجالا يهمهم حالي ويتقاسمون معي احزاني..وصدق من قال “أن في كل محنة منحة” ولله الحمد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

..

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد